سابعاً : استنكر الشيخ ما قاله الداعية عمرو خالد في إحدى حلقات برنامج على خطى الحبيب إذ قال : " الصحابة كانوا يجتمعون رجالاً ونساءً في دار الأرقم بن أبي الأرقم " وقد أكد عمرو خالد هذا الكلام بقوله " خلي بالك رجالة وستات مع بعض لان النبي معندوش حاجة اسمها درس للرجالة ودرس للستات ، لأ الرجالة مع الستات " . وقد وصف الشيخ ما قاله عمرو خالد بأنه : ( دعوة للاختلاط الصريح وكذب على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يوجد في السيرة ما يثبت أن النساء كانوا مع الرجال في دار الأرقم البتة . وحتى لو ثبت هذا فأين تدريج التشريع ؟
قلت : يفهم من هذا الكلام أصحاب القلوب المريضة أنها دعوة للاختلاط ؛ في حين أنه قصد بهذا الكلام شرعية وجود الرجال والنساء في درس ديني ، ولم يقل الرجل أن هذا الكلام معناه إباحة الاختلاط المحرم والعياذ بالله
أما بالنسبة لقول الشيخ أنه لم يثبت بان الرجال والنساء كانوا في دار الأرقم سوياً يتلقون العلم من رسول الله ، فهذا خطأ فادح ، إذ أن بالبديهة وجودهم سوياً داخل الدار لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل المسلمين في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، ولم أقرأ أن هناك مكان آخر كان يجتمع فيه النبي بالمسلمين والمسلمات في أوائل الدعوة غير دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ، ولم أقرا أيضا أن النبي كان يجتمع بالرجال وحدهم دون المسلمات ، ولكن كان مما قرأته هو قول ابن عباس رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع في دار الأرقم مختفياً في أربعين رجلا وبضع عشرة امرأة (1) .
أما عن قول الشيخ أن هذا لو ثبت فأين تدرج التشريع ، فأقول له : لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجده يصلي فيه الرجال والنساء سوياً ، وقد كان بإمكان النبي صلي الله عليه وسلم أن يبني المسجد على نظام " طابقين علوي للنساء وسفلي للرجال " وخصوصاً أن دار أبو أيوب الأنصاري كانت على طابقين علوي وسفلي – فمن السهل تقليدها في بناء المسجد - ومع ذلك لم أسمع أن النبي أمر ولو فيما بعد ببناء طابق علوي لمسجده منعاً للاختلاط ، وإنما كل ما فعله النبي أن جعل باب للنساء وباب للرجال للدخول والخروج ، أما المسجد فكان للرجال والنساء سوياً .
ثم شاعت هذه الكلمة في العصر الحديث - ولا أدري متى بدأ استعمالها - بما لها من إيحاء , ينفر منه حس المسلم والمسلمة ؛ لأن خلط شيء بشيء يعني إذابته فيه , كخلط الملح أو السكر بالماء .
المهم أن نؤكد هنا أن ليس كل اختلاط ممنوعاً , كما يتصور ذلك ويصوره دعاة التشديد والتضييق , وليس كذلك كل اختلاط مشروعاً , كما يروج لذلك دعاة التبعية والتغريب .
ولقد تعرضت لهذا الموضوع مجيباً عن عدة أسئلة في الجزء الثاني من كتابي « فتاوى معاصرة » منها : ما يتعلق بالاختلاط , وما يتصل بإلقاء السلام على النساء , وعيادة الرجال للنساء , والنساء للرجال … الخ .
والذي أود أن أذكره هنا : أن الواجب علينا أن نلتزم بخير الهدي , وهو هدي محمد صلى الله عليه وسلم , وهدي خلفائه الراشدين , وأصحابه المهديين , بعيداً عن نهج الغرب المتحلل , ونهج الشرق المتشدد .
والمتأمل في خير الهدي سيجد أن المرأة كانت تشهد الجماعة والجمعة , في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان عليه الصلاة والسلام يحثهن على أن يتخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة خلف صفوف الرجال , وكلما كان الصف أقرب إلى المؤخرة كان أفضل , خشية أن يظهر من عورات الرجال شيء , وكان أكثرهم لا يعرفون السراويل , ولم يكن بين الرجال والنساء أي حائل من بناء أو خشب أو نسيج , أو غيره …
وكانوا في أول الأمر يدخل الرجال والنساء من باب واحد , فكان يحدث نوع من التزاحم ، في الدخول والخروج , فقال عليه الصلاة والسلام : « لو أنكم جعلتم هذا الباب للنساء » . فخصصوه بعد ذلك لهن , وصار يعرف إلى اليوم باسم « باب النساء » .
وكان النساء يحضرن كذلك صلاة العيدين , ويشاركن في هذا المهرجان الإسلامي الكبير , الذي يضم الكبار والصغار , والرجال والنساء , في الخلاء مهللين مكبرين ؛ روى مسلم عن أم عطية قالت : « كنا نؤمر بالخروج في العيدين , والمخبأة والبكر » ؛ وفى رواية قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى : العواتق والحيض وذوات الخدور , فأما الحيض فيعتزلن الصلاة , ويشهدن الخير ودعوة المسلمين , قلت : يا رسول الله , إحدانا لا يكون لها جلباب , قال : « لتلبسها أختها من جلبابها » .
وكان النساء يحضرن دروس العلم , مع الرجال عند النبي صلى الله عليه وسلم , ويسألن عن أمر دينهن مما قد يستحي منه الكثيرات اليوم , حتى أثنت عائشة على نساء الأنصار , أنهن لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين , فطالما سألن عن الجنابة والاحتلام والاغتسال والحيض والاستحاضة ونحوها .
ولم يشبع ذلك نهمهن لمزاحمة الرجال واستئثارهم برسول الله صلى الله عليه وسلم , فطلبن أن يجعل لهن يوما يكون لهن خاصة , لا يغالبهن الرجال ولا يزاحمونهم وقلن في ذلك صراحة : « يا رسول الله , قد غلبنا عليك الرجال , فاجعل لنا يوما من نفسك » ، فوعدهن يوما , فلقيهن فيه ووعظهن وأمرهن .
وتجاوز هذا النشاط النسائي إلى المشاركة في المجهود الحربي في خدمة الجيش والمجاهدين , بما يقدرن عليه ويحسن القيام به , من التمريض والإسعاف , ورعاية الجرحى والمصابين , بجوار الخدمات الأخرى من الطهي والسقي وإعداد ما يحتاج إليه المجاهدون من أشياء مدنية .
عن أم عطية قالت : « غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , سبع غزوات , أخلفهم في رحالهم , فأصنع لهم الطعام وأداوى الجرحى , وأقوم على المرضى » .
وروى مسلم عن أنس : « أن عائشة وأم سليم , كانتا في يوم « أحد » مشمرتين , تنقلان القرب على متونهما ( ظهورهما ) ثم تفرغانها في أفواه القوم , ثم ترجعان فتملآنها » .
وروى الإمام أحمد : أن ست نسوة من نساء المؤمنين كن مع الجيش الذي حاصر « خيبر » : يتناولن السهام , ويسقين السويق , ويداوين الجرحى , ويغزلن الشعر , ويعن في سبيل الله , وقد أعطاهن النبي صلى الله عليه وسلم نصيبا من الغنيمة .
بل صح أن نساء بعض الصحابة شاركن في بعض الغزوات والمعارك الإسلامية بحمل السلاح , عندما أتيحت لهن الفرصة ، ومعروف ما قامت به أم عمارة نسيبة بنت كعب يوم « أحد » , حتى قال عنها صلى الله عليه وسلم : « لمقامها خير من مقام فلان وفلان » .
والخلاصة : أن اللقاء بين الرجال والنساء في ذاته إذن ليس محرما , بل هو جائز أو مطلوب إذا كان القصد منه المشاركة في هدف نبيل , من علم نافع أو عمل صالح , أو مشروع خير , أو جهاد لازم , أو غير ذلك مما يتطلب جهوداً متضافرة من الجنسين , ويتطلب تعاونا مشتركا بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ ".(2)
وإنما أردت أن أشير إلى صحة ما قاله الداعية عمرو خالد ، وإلى جواز وجود درس ديني فيه رجال ونساء سويا مع مراعاة الفصل بينهم في المقاعد ، كأن يكون الرجال في الأمام والنساء في الخلف ، وهذا هو ما كان يرمي إليه الداعية عمرو خالد عن طريق ما قاله عن دار الأرقم .
هذا ما هُديت إليه والحمد لله رب العالمين
محمد نجاتي سليمان
مؤسس مدونات هيئة الدفاع عن الداعية عمرو خالد
0166641904
****
(1)أخبار مكة للفاكهي .
(2)بتصرف من كتاب ملامح المجتمع المسلم صفحة 24 : 25 .










